مرة أخرى، يجد المنتخب الوطني الجزائري نفسه خارج حسابات التتويج في كأس أمم إفريقيا، بعد مشاركة لم ترقَ إلى طموحات الجماهير ولا إلى تاريخ “الخضر” القريب، الذي كان حافلًا بالإنجازات والتألق القاري، إقصاء ثالث على التوالي يفتح أبواب التساؤل، ويُجدد النقاش حول الأسباب الحقيقية لهذا التراجع، بين اختيارات فنية، وتذبذب في الأداء، وضغط جماهيري وإعلامي متزايد، فالمنتخب الذي دخل المنافسة بشعار استعادة الهيبة، خرج مبكرًا ليؤكد أن التتويج في 2019 لم يعد كافيًا ليضمن الاستمرارية، وأن كرة القدم الإفريقية باتت أكثر تعقيدًا، وأكثر شراسة، ولا تعترف بالأسماء ولا بالأمجاد السابقة.
اختلال الخيارات وغياب الهوية
الإقصاء الأخير كان وليد الصدفة، بعد أداء غير مقنع في المباراة الأخيرة، بطء في النسق، غياب الفعالية الهجومية، وهشاشة دفاعية غير معهودة، كلها مؤشرات تؤكد أن المنتخب عانى في المباراة الأخيرة أمام نيجيريا من خلل أعمق من مجرد نتيجة سلبية، فالخيارات الفنية كانت محل جدل واسع، سواء من حيث التشكيلة الأساسية أو طريقة اللعب، حيث بدا المنتخب عاجزًا عن فرض أسلوبه، ومتأثرًا كثيرًا بأسلوب المنافسين، كما أن الاعتماد المفرط على بعض الأسماء، مقابل تهميش عناصر شابة قادرة على ضخ دماء جديدة، جعل الأداء يبدو تقليديًا ومتوقعًا، كما أن غياب هوية تكتيكية واضحة زاد من تعقيد الوضع، فالمنتخب لم يكن دفاعيًا صلبًا ولا هجوميًا فعالًا، ما جعله يضيع بين فلسفتين دون أن ينجح في أيٍّ منهما، وفي بطولة قصيرة مثل كأس أمم إفريقيا، الأخطاء الصغيرة تُكلف كثيرًا، ولا مجال للتدارك.
الفشل ليس النهاية بل بداية التصحيح ونحو إعادة البناء
ورغم مرارة الإقصاء، إلا أن الفشل لا يجب أن يكون نهاية الطريق، بل نقطة انطلاق لمراجعة شاملة وجريئة، الكرة الإفريقية اليوم تغيّرت، والمنتخبات التي تنافس بجدية هي تلك التي تمتلك مشروعًا واضحًا، وتعمل على المدى المتوسط والبعيد، بعيدًا عن الحلول المؤقتة وردود الفعل العاطفية، أما المرحلة القادمة تفرض إعادة تقييم شاملة للمنظومة الكروية، بداية من الجهاز الفني، مرورًا بسياسة اختيار اللاعبين، وصولًا إلى منح الثقة للمواهب الصاعدة، سواء داخل البطولة الوطنية أو في الاحتراف الخارجي، بناء منتخب تنافسي يتطلب شجاعة في القرارات، وصبرًا على النتائج، وإيمانًا بأن الاستمرارية أهم من النتائج الآنية، أما الجماهير الجزائرية، ورغم خيبة الأمل، ما تزال تطمح لرؤية منتخب قوي، يُجسد الروح الوطنية داخل الميدان، ويستعيد شخصيته التي افتقدها في الآونة الأخيرة، فالنسخ المقبلة من كأس أمم إفريقيا ستكون اختبارًا حقيقيًا، ليس فقط للاعبين، بل لكل القائمين على كرة القدم الجزائرية.
وكخلاصة فشل المنتخب الوطني مرة ثانية في كأس أمم إفريقيا هو واقع لا يمكن إنكاره، لكنه في الوقت ذاته فرصة ثمينة للتصحيح وإعادة البناء، فالتاريخ يُصنع بالعمل الجاد والتخطيط السليم، وبين خيبة اليوم وأمل الغد، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل الإخفاق إلى دافع، وبناء منتخب يليق بطموحات شعب لا يقبل إلا بالأفضل.
سعيد عمروش






























تعليقات حول هذا المقال